عبد الملك الجويني

91

نهاية المطلب في دراية المذهب

متضمنا إذناً في القبض . والقول الثاني - وهو القياس أنه لا بد من الإذن في القبض في المسألتين ؛ فإنه لم يَجْر له تعرض ، واليدُ السابقة كانت يدَ وديعة أو يداً عن جهة أخرى . ومن أصحابنا من أقر النَّصين في الرهن والهبة قرارَهما ، وشرط الإذن في القبض في الرهن ، ولم يشترط ذلك في الهبة . وفرق بينهما بالقوة والضعف ، فالهبة مملِّكة والرهن مقصوده إثباتُ اختصاص . فإن قلنا : لا بد من الإذن ، فالعقد قبل الإذن على الجواز ، وهو رهن غير مقيدٍ بالقبض ، وإذا جرى الإذن ، لم يحصل القبض بمجرد الإذن أيضاً ، حتى يمضي من الزمان ما يتأتى فيه القبض ، وهو زمان يسع الرجوع إلى موضع الوديعة . وعلة هذا أنا نريد أن نجعل دوام اليد كابتداء القبض بالإذن ، ولا أقل من أن يجري زمنٌ يُتصوّر فيه ابتداء القبض لو أُريد ذلك . وإن جعلنا نفسَ العقد إذناً في القبض ، فلا بد وأن يمضي من وقت العقد زمان يسع إمكان الإقباض بتقدير الرجوع إلى المكان الذي به العين . وقد اتفقت الطرق على اعتبار الزمان . قال الشافعي : " لو كان في المسجد والوديعةُ في البيت ، لم يكن قبضاً حتى يصير إلى منزله الذي هو فيه " ( 1 ) . فإذا ثبت اعتبارُ مضي الزمان ، فهل يشترط حقيقةُ الرجوع من القابض ، ومعاينة العين ، فعلى وجهين : أحدهما - لا يشترط ذلك ، بل يكتفى بمضي زمان إمكان الرجوع ؛ فإن الأمر مبني على استدامة ، لا على ابتداء فعل . والذي يليق ثَمَّ بالاستدامة الاكتفاء بزمان الرجوع . والوجه الثاني - أنه لا بد من الرجوع حتى يصير الدوام مع الثقة بوجود العين بمثابة افتتاح إقباض . ونصُّ الشافعي دليل عليه ؛ فإنه قال : " لو كان في المسجد والوديعةُ في البيت ، لم يكن قبضاً حتى يصير إلى منزله " .

--> ( 1 ) ر . المختصر : 2 / 210 . وعبارته : " . . . حتى يصير إلى منزله وهي فيه . . . إلى آخره " .